APP LOADER
الرئيسية
  • العنوان رسالة من هارفرد
  • المؤلف مريم الزرعوني
  • دار النشر قنديل للطباعة والنشر
  • التصنيف أدب اليافعين

كتاب: رسالة من هارفرد
للكاتبة: مريم الزرعوني

المُقَدِّمَة

بتوجيهات من سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، الداعية إلى إطلاق وطرح مبادرات نوعية تهدفُ إلى تدريب وصقل مواهب الأجيال الجديدة والشابة في مجال الكتابة، وبعد النجاح اللافت الذي حققته فئة الكتابة للطفل ضمن برنامجْ دبيّ الدولي للكتابة، عملت المؤسسة جاهدة على متابعة جهودها لإبراز الطاقات الإبداعية الكامنة لدى أبنائها في الوطن العربي، لتكون من الأقلام التي يُفْتَخَرُ بها على المستوى المحلي والعربي، ضمن فئة الكتابة لليافعين.

وقد حرصت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة من خلال إطلاق هذه الفئة من الكتابة، على اختيار المواهب المُشارِكة بشكل دقيق، تلك المواهبُ القادرةُ على تقديم الجديد والقيِّم والمُمتِعِ في هذا المجال.

واستمراراً لما بدأته المؤسسة في مشروعها المعرفي المتميز، فإنها تابعت ورش العمل الخاصة بالبرنامج خطوة بخطوة، من خلال الجهود التي بذلتها الكاتبة والمُدَرِّبَة الدكتورة وفاء ثابت المزغني، لتنقل خبرتها وتجربتها الثَّريَّة إلى هذه المواهب؛ لنحصد في النهاية نتائجَ باهرةً.

نُقدِّمُ اليوَم مجموعة من الروايات الموجهة لفئة اليافعين، التي نطمح أن تشجَع الموهوبين كافة على إطلاق العنان لمواهبهم من جهة، وأن تكون لها رسائل هادفة تؤتي ثمارها اليانعة لقرائها من جهة أخرى.

وختاماً، نتوجه بالشكر الجزيل لكل من أسهم ويُسهِمُ في نجاح هذا المشروع المعرفيّ ليَخْرُجَ بشكلٍ مختلف شكلاً ومضموناً، ويضاف إلى إنجازات مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة; لتكون لَبِنَةً في بناء معرفيّ شامخ يفيد المجتمع ويُثري عُقُولَ بُنَاة المستقبل.

جمال بن حويرب المدير التنفيذي
لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة

الفصل الأول---لا.. أنتِ خوافة....

-تِك تِك تِك، (أتسمحين لي يا أستاذة سعاد بدقيقة مع الطالبات)، دخلت علينا مُشرفةُ النشاط المدرسي مُوَجِّهَةً السؤال للجميع.

- من لديها الرغبة في الاشتراك في الإذاعة المدرسية؟ لنا برنامجْ الأسبوع القادم بمناسبة يوم الصحة العالمي، وأريد اختيار طالباتٍ قراءتُهن سليمةً ومُعَبِّرَة.

فرفعتُ يَدي والثقة تغمرني من أعلى رأسي إلى أخمص قدمي اللتين تهتزان بانتظام شوقاً وقَلَقَاً. ظننت أنني الوحيدة التي تطمح للظهور على ساحة المدرسة، ولكن خيبتي كانت كبيرة عندما رأيتُ عدداً كبيراً من زميلات الفصل يرفعن أياديهن. قلت في نفسي:

- ِلمَ يرفعن أيديهن؟ حتى في الإذاعة ينافسنني! لقد رفعتْ عائشة يدها، وشَمْسَة، وسهام، ومريم، وسناء؛ يا لهذا الحظ العاثر! كنت أتوق إلى الوقوفِ على منصة الَعَلَم وتقديم الفقرات الإذاعية، وكل الأنظار ترمُقُني وكل الآذان تَسمَعُني. ِلمَ الاقتصار على (زينة مراد) من الشعبة الثالثة في تقديم الإذاعة المدرسية يومياً، وآمنة عبد الله لتلاوة القرآن؟ فصوتها المبحوح يكاد لا يَظهَرُ معه نصف الأحرف التي تنطقها، وتلك المتشدقة بكلمات لا تفهمها، وهي تحرك ذراعها يمنةً ويسرة مثل شُرْطيّ المرور. آه لو أن أبي يكتب الشعر كالذي تجلبه مَهْرَةُ كل صباح مدعية أن أباها يكتبه!

وبعد نظرة ماسحة للفصل سأَلت مُشْرِفَةُ النشاط:

- ما اسمكِ؟

- رهف نور الدين

- سَتُقَدّمِين فقرةَ الألغاز، تعالي في الفرصة، لأعطيكِ الوثيقة التي سَتَقْرَئين منها.

- ما اسمكِ؟

- مريم جمعة

- هل تجيدين القراءة باللغة الإنجليزية؟

وإذ بصيحات متهورة:

- أنا أبلة، أنا أنا أبلة، أنا متميزة في التحدث بالإنجليزية.

- كم هي درجاتك؟

- مئة من مئة

- ممتاز، ما اسمك؟

- (عائشة خالد)

- عائشة ستقرئين نشرةً صِحيَّةً خارجيَّةً، هل تُجيدين هذا؟

- نعم، أستطيع القراءة بطلاقة، أنا أقرأ القصص والروايات الإنجليزية أيضاً.

- ممتاز، تعالي في الفرصة لأختبر قراءتكِ.

- ما اسمك؟ نظرت إلي المُشْرِفَة منتظرة إجابتي، حَدّقْتُ بها في دهشة، أنا؟

- نعم أنتِ، ألَم ترفعي يدكِ للمشاركة؟

- أ..أ.. نعم اسمي علياء راشد.

حسناً يا علياء، تعالي في الفرصة إلى غرفتي كي أحدد لكِ ما ستقدمينه، وغادرت الفصل على عجل. أخذ قلبي يرتجف من سرعة دقاته، واختلجتْ في آنٍ واحد مشاعر الفرح والقلق في صدري. أخيراً سأحقق حلماً انتظرته، سأقف تحت سارية العَلَم وأحمل الميكروفون بِيَدِي مثل مذيعة محترفة، وأُصبِحُ مَحَطَّ الأنظار، ويُنصِتُ إليّ الجميع.

ذهبت في وقت الراحة مُسرعةً رغم الجوع الذي كان ينهش معدتي، وتجاهلت وجبة المقصف المدرسي المقدسة لَدَيّ، في سبيل أن أصل إلى غرفة المُشْرِفَة قبل زميلاتي الأخريات. وجدت بانتظاري فقرة متواضعة من خمسة أسطر بعنوان «أخطاءٌ شائعةٌ». داخلني شيءٌ من الإحباط، فقد حلمت بصفحة كاملة لمقالة علمية، أو قصيدة شعرية، أو حتى قصة قصيرة تُستقى منها الحكمة والعبرة. قرأت الوثيقة أمام المُشْرِفَة بطلاقة ولا مُبَالاة، وانصرفت.

لم أحتج أن أراجع الوثيقة، فقد كانت أبسط من أن ألقي لها بالاً، وتركتُها في الحقيبة حتى صباح اليوم التالي.

لا أدري ما سوء الحظ الذي يتآمر علي دوماً في صورة مخادعة، ما الذي حل بي عند الوقوف أمام الميكروفون؟ كاد قلبي أن يخرج من صدري، وبدا لُهاثي واضحاً في مكبراتِ الصوت؛ تلعثمتُ فأعدتُ قراءة السطر الأول والثاني ثلاث مرات متأتئة، حتى أخذت المُشْرِفَةُ مني الورقة، وطَلَبتْ من (زينة) قراءة الفقرة. نعم (زينة) تَصْلُحُ لكلِّ شيء، إلا الوقوفَ معنا في الطابور، والاستماع إلى الإذاعة المدرسية.

كانت هذه المشاركة الأولى والأخيرة، فقد وُئِد الحلم منذ أن وُلد، وكلما رفعتُ يدي للمشاركة بعدئذ، تقول لي المُشْرِفَة: «لا؛ أنتِ خّوافة». وقد تَكَفَّلَت هذه الجُملة بإلقائي من قِمَّة الأماني إلى حَضيض الخَيْبَات، وبَعْثَرتني في فراغٍ لا نهاية له.

آه، هذا الكم الكبير من القهر المتولد في داخلي عندما أسمع صوت (مَهْرَة) يجلجل بغباء في مكبرات الصوت يكفي لردم هوة سحيقة تخترق طبقات الأرض. لا شك في أّن التحديق في خيوط شِّيْلَة الطالبة التي تقف أمامي في الطابور أكثر متعة. ما الذي يجعل هذه المغرورة تتصرف بكل هذه الجُرأة والثبات؟ لو أّن المُشْرِفَة أعطتني فرصة أخيرة، لأريتها كيف أقرأُ الفَقْرة بصفتي مذيعة لنشرة الأخبار.

ظلت فكرة المشاركة في الإذاعة المدرسية تلاحقني في كل مكان: في الحافلة، أهرب منها في المقاعد الخلفية عند مجموعة المُشاغِبَات، فأجدها تَتَوَسَّدُ حقيبتي، أدفعها بمراقبة السيارات التي تسير خلفنا، فأجدها في كل لوحة إرشادية (أنا الإذاعة المدرسية)، لن أسمح لكِ أبدًا بالوقوف على منصة

العَلَمِ، ولا قراءة فقراتي. أرى (زينة) تقود كل السيارات التي في الطريق، وأصوات أبواق السيارات المُشَاكِسةِ تَجَمَّعَت في صوتِ (مَهْرَة) الحاد. كانت تتراءى لي كل هذه الصور الكارثية، والحافلة التي تَرُجُّنَا على الطريق الصخرية كوعاء جدتي الذي تُمَخِّضُ فيه اللبن، وكانت حرارة الشمس كفيلة بأن تسبب لي الغثيان، وإفراغ كل ما في جوفي.

(علياء، علياء، تنحي قليلاً، سأنزل هنا). كان هذا صوت (ميثاء) يطلب مني إفساح الطريق، وقد كان كفيلاً بإنهاء الكابوس الذي داهمني في الحافلة. الإذاعة المدرسية هي النافذة، التي أردت أن أطل من خلالها على إمكانياتي، وأرى نظرة الإعجاب في أعين الطالبات، كما نظرن بها دوماً إلى مُحتَكِرَات الإذاعة.

(علياء، بَيْتُكُم). وكزَتني ابنة خالي وجارتنا في ذات الوقت، لا أدري إن كنت حملت حقيبتي أم هي التي حملتني، كنت أشعر أنها بخفةِ بالونٍ من الذي يوزَّع علينا في محال الوجبات السريعة، لقد كاد ثقل الورقة التي سحَبتها المُشرِفُة من يدي أن يقصِم ظهري. وظلت عبارتها: (لا؛ أنتِ خوّافة) تصم أذني عن شجار إخوتي الصغار في فِناء المنزل، ومحادثة أمي في الهاتف، والدجاج الذي اعتاد الترحيب بعودتي كلما رآني في فِناء المنزل.

الفصل الثاني -أتاك الخميس الطلق يختال ضاحكاً

توقف قطار الأسبوع في محطة الخميس السحرية. كم وددت لو أن الوقت يركب نفس القطار، ثم ينزل منه يوم الخميس، ويتيه في الزحام فلا يعود لمباغتتنا البتة حتى لا تتسرب الدقائق الغالية أبداً في محاصرتها منذ صعودي الحافلة. يساعدني في ذلك مقعدي الذي أفضله في الصفوف الأولى. نحن معشر الشطّار والخجلى نفضل الجلوس حيث الهدوء النسبي في الحافلة. تعرف كل منا الأخرى، فرغم الصمت الطافي على السطح، دوماً تلتقي أفكارنا في مساحة الوجوم التي تحيط بنا ونحن نحدِّق في الفوضى المتحركة خلف زجاج النوافذ. أفتح كتاب التربية الإسلامية، الدرس السابع، سورة الفتح: بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا (1) لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا (2) وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا (3)) إلى الآية السابعة حفظ للتسميع يوم الأحد (إنا فتحنا لك فتحاً مبينا) - (إنا فتحنا لك فتحاً مبينا) - (إنا فتحنا لك فتحاً مبينا)؛ (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) - (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) - (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر). أوشكت على الانتهاء من حفظ الآيات، ورفعت رأسي لأجد الحافلة تقترب من بيتنا. إنها إلا محطتان وأصل إلى البيت لتبدأ فعاليات الخميس. أفتح أزرار الياقة، ثم الُكّمين، أطويهما قليلا إلى الأعلى، ثم أعرج على شعري فأفك ربطته وأدسه تحت بدلتي المدرسية، وفي الثواني الأخيرة أخلع جوربي خفية تحت المقعد بدعك قدمي ببعضهما لينزلقا حتى أدفعهما نحو مقدمة الحذاء. فهذا يوفر عليّ خمس دقائق أو أكثر من الوقت الذي سأقضيه في استبدال ثيابي. تترك لي الخادمة باب البيت مواربًا لأدخل مباشرة، فهي تعلم تقديسي لوقت الخميس، وتتجنب صرخاتي المتوالية الحادة في أذنها لو تركتني أنتظر ريثما تسمع الجرس وتهروِل إليّ. لكنني أظل في حسرة رغم كل محاولات توفير الوقت عندما أجد أخوَيَّ قد عادا قبلي وتغديا، بل واحتلّا تلفاز غرفة المجلس ليلعبا لعبتهما المفضلة (بلاي ستيشن). لا أفهم مطلقًا كيف يتسمران أمام شاشة التلفاز الساعات الطويلة في العطلة الأسبوعية عابِثَين بجهازَيْ التحكم فلا يتحرك منهما سوى كفيهما وعينيهما.

أما أنا، فأدلف إلى حجرتي لأكمل استبدال ثيابي وأشرع في الاستعداد ليوم الخميس. اليوم أزور بيت جدتي وألتقي بنات أعمامي وعماتي، ثم عندما يحل الليل أسمع حكايات جدتي القديمة، وآكل عصيدتها اللذيذة التي تعِدّها بنفسها لأبي وعَمي. يا إلهي كم تحب جدتي أولادها وتبجلهم، هي لا تنادي أولادها الذكور إلا بلقب (الشيخ)، وتسارع إلى تحضير أطباقهم المفضلة وجلبها بنفسها رغم تقدمها في العمر، وتجلس في حضرتهم قرب المجمر على الأرض لتصب القهوة المُعدّة على الحطب، ثم تتفحص وجوههم وكأنها تروي قلبها من ظمأ الشوق وتغدق عليهم من حبها المطلق الذي لا يعرف القيد والشرط.

(علياء، علياء، يا علياء؛ برد الطعام، إلى متى ننتظركِ؟ هيّا تعالَيْ، فالخادمة ليست متفرغة لتسخين الغداء وجلبه مئة مرة). كان هذا صوت أمي يعبر الممر وباب الغرفة ليقطع علي أحلام الخميس.

بالرغم من اعتيادي على النوم بعد وجبة الغداء إلا أن الخميس استثناء، حيث أنجز ما تبقى من واجباتي واحدًا تلو الآخر. انتهيت من اللغة الإنجليزية، ثم أسئلة درس القراءة في اللغة العربية، وأما أسئلة معضلة الفيزياء فأّجَّلتها لحين لقائي بابنة عمي فاطمة فهي معلمة فيزياء. وأما اختبار الرياضيات فلا جدوى من مذاكرته الآن حتى لا تتبخر المعلومات. لا أعلم لِمَ تعاقبنا المعلمات على عطلة نهاية الأسبوع؟ لِم هذا الكم من الواجبات في هيئة انتقامية؟ لقد جُعِلت نهاية الأسبوع للراحة ولقاءات المرح، ولكننا نختلس الأوقات الحلوة من بين أكوام الواجبات المدرسية واستذكار الاختبارات.

أشارت الساعة إلى الرابعة والنصف. ها قد انتهى والدي من صلاة العصر وهو بانتظارنا أنا وإخوتي لاصطحابنا إلى بيت (أمي عوشة). في السيارة قصة أخرى من صراع الأمكنة، يسعى سالم دوماً للجلوس في المقعد الأمامي، يهرول إلى صلاة العصر يوم الخميس خلافاً لباقي الأيام، وأعلم أن الوازع هو كرسي المقدمة، ووالدي يعلم أيضًا، ولكنه يفرح بهذا على أي حال، لأنه السبيل الوحيد الذي يدفعه للذهاب إلى المسجد دون مماطلة وحجج واهية.

بيت جدتي ذو الطابق الواحد بُنيَ منذ ثلاثين عاماً، تحيط به أشجار النخيل من الخارج وتتوزع فيه بانتظام من الداخل أشجار اللوز والسدر والهمبا (الهمبا تعني: المانجا باللهجة الإماراتية المحكية) والحناء والنخيل على التوالي بالقرب من الجدار. وعلى جانبي باب الصالة زرعت جدتي صفين من المشموم الفوّاح الذي تضع منه باقات في كؤوس الماء تزين النوافذ وتعطر الحجر كل صباح بمرش ماء الورد وعطر أبو الطيور (وعطر أبو الطيور يعني: نوع من ماء الكولونيا المشهورة قديماً في الإمارات وسمِّيَ بذلك لأن العلبة قد طُبع عليها صورة طائري الحب)، وكانت أيضاً تستخدم أوراقه لتطييب الشاي عند حضورنا مساء الخميس.

تجلس جدتي على حصير في فناء البيت مستظلة بالسدرة، وتتكئ إلى الجدار على وسائد قطنية مكتنزة بيضاء مطرزة باللونين الأحمر والذهبي، وتجلس على فراش إسفنجي أبيض ذي حاشية مطرزة بنفس الألوان، وتدير المذياع على إذاعة لندن، تستمع إلى الأخبار الطازجة عالية المصداقية خلافاً لباقي المحطات؛ فقد اعتادت ذلك منذ حرب الخليج الثانية عندما كان عمي ضمن القوات المشاركة في تحرير الكويت.

وصلنا إلى ملتقانا وأنا أتطلع إلى سطح البيت حيث نسمع هدير البحر ونرى زُرقته عندما نقف على رؤوس أصابعنا عند حافة الحاجز.

وبعد الغروب تصعد جدتي إلى السطح معنا نحن الأحفاد، وتحضر لنا العشاء الذي اعتاد الأولون تناوله بعد صلاة المغرب مباشرة، ونحن لا نحذو حذوهم إلا في بيت جدتي. إثر ذلك نجلس في حلقة تتوسطنا (أمي عوشة) لتحكي لنا عن طفولتها وصباها، ولهوها بين الأفلاج وقطفها ثمار المانجا واللوز في الصيف فتسقط منها في الفلج ذي الماء الجاري البارد، وتبدأ سباقها مع مياه الفلج حتى تصل الثمار إلى منعطف فتتباطأ لتقبض عليها جدتي، وقد برَّدت المياه الثمار وجعلتها تطفئ شيئاً من حرارة القيظ.

نظل على هذا المنوال إلى أن يقترب موعد نوم جدتي، فتحكي لنا قبيل نزولها إلى حجرتها حكاية شعبية تحملنا مع السحرة خلف الجبال، أو تغوص بنا مع (البياحة) في عمق البحر (والبياحة تعني: نوع من الأسماك في الإمارات)، أو تطوف بنا الصحارى في قافلة حاديها ملك الجان.

الفصل الثالث - فن الاحتياط

الأحد هو يوم غير مرغوب فيه على الدوام، إلا إذا حمل معه بهجة استثنائية.

رحلة مدرسية مفاجئة، إلغاء اختبار الرياضيات، أو غياب معلمة والظفر بحصة فراغ.

الحصة الأولى خذلتني وكان اختبار الرياضيات، والحصة الثانية التربية الإسلامية، وقد صحبتنا المعلمة إلى مكتبة المدرسة وعرضت علينا فيلماً قصيراً عن عبادة الأصنام في الجاهلية؛ على أي حال هذا أكثر متعة من سرد القصص والنظر إلى صور تخيلية لأصنام جمعت صورها من (الإنترنت).

وفي الحصة الثالثة جاء الفرج، فبعد انتظار عدة دقائق علمنا من الفصل المجاور أن معلمة اللغة العربية، الأستاذة منى، متغيِّبة. وسرعان ما أصبح الفصل أرخبيل جُزر، يشبه تجمعات الآسيويين التي أراها يوم الجمعة في ساحات السوق.

هذه فرصة لأبدأ في استكمال واجباتي وتحضير الدروس القادمة، وهدفي الأسمى أن أستمتع بوقت الفراغ في البيت.

جلست لوهلة أتأمل الفصل حتى يتسنى لي اتخاذ القرار المناسب. في المقاعد الأمامية مريم جمعة ومريم علي وتنحشر بينهن فاطمة وشمسة وميثاء، وتقودهن أمل.

أمل: ينص قانون فيثاغورث أن الضلع المجاور يعطينا طول الضلع المفقود للمثلث. في هذه الحالة ستكون الإجابة أربعة سنتيمترات.

مريم جمعة: هل أنتِ متأكدة؟ لم يظهر لي رقم صحيح بل كسر عشري صغير جداً. من منكن وجدت نفس النتيجة؟

أمل مقاطعة: أنا متأكدة. حتى لو لم تتوصلن إلى إجابتي، فأنا أجزم أن هذه هي الإجابة الصحيحة.

شمسة وميثاء معا: يا سلام! ما الذي جعلك متأكدة؟

مريم علي: الأكيد أنك حصلت على الإجابة من طالبات العام الماضي.

فاطمة: أيتها الفِطنات، هذا مثلث قائم الزاوية وأحد أضلاعه ثلاثة سنتيمترات، كيف سيكون الضلع المفقود رقمًا عشريًا؟ لا بد أن يكون رقمًا صحيحًا، إما أربعة أو خمسة.

أمل: هل وصلتِ للحل ذاته يا فاطمة؟

فاطمة: لا، لقد كنت مريضة ولم أستطع استذكار أي مادة، ولكن ذلك أمر بديهي، وقد أشبعتنا الأستاذة تدريبًا على هذه الأسئلة.

مريم جمعة: آلتي الحاسبة لا تظهر النتيجة مباشرة، علي أن أحدِّثها أو أستعير أخرى من الفصل المجاور.

أمل (باستعلاء): حسنًا، يمكنكن الاطلاع على كراستي ومناقشتي فيما لم تتوصلن إليه.

وفي الوسط تتقارب الرؤوس للقريبات الثلاث، بالكاد أسمع صوتهن، إنهن يتهامسن عن تفاصيل مشكلاتهن.

الأولى: لقد عاد أبي بعد غياب شهر كامل إلى المنزل، ولكن أمي وقفت بالباب وتشاجرت معه حتى خرج جارنا من بوابة المنزل بسيارته وظل يحملق في استغراب واستهجان. لقد سئمت هذه المشاجرات المخزية على باب المنزل.

الثانية: هذه ليست المرة الأولى، لم يعود أبوكِ إلى المنزل وهو يعلم ما ستفعله أمكِ به في كل مرة؟

الثالثة: أقترح أن تقولي له في المرة القادمة أن يأتي إلى البيت بعد منتصف الليل عندما تنام أمكِ، وأقترح أيضًا أن ترسلي له رسالة نصية لكي لا يخطئ التوقيت.

وتتعالى الضحكات...

على الطرف الأيمن من الفصل جلست عائشة وإيمان الصديقتان الحميمتان المتلازمتان, بهدوء الكراسي التي يجلسن عليها. فتحت إحداهن مصحفاً والأخرى أخذت تتلو غيباً بصوتٍ عذبٍ كانسياب أمواج البحر الهادئة في ليلةٍ صيفيةٍ ساكنة أمام بيت جدتي, ثم تبادلن الأدوار.

وفي الخلف تجمعات تحظى بشعبية عالية لدينا في الفصل, حيث يعم الضجيج, والأصوات العالية, والسعال الذي يتبع شدة الضحك, إضافة إلى مضغ العلكة وتكوين البالونات ثم فرقعتها. وتتراكم قشور بذور تباع الشمس المفضلةِ لدي على الأرض, مجموعة مشاغبات الفصل بقيادة نواري يتبادلن الطُرف المخلَّة أحياناً, وأحياناً يؤَدِّين مشاهد تمثيليةٍ ساخرة للمعلمات اللاتي لا تعجبهن, أو يثرثرن عن مغامراتهن العاطفية الساذجة أحياناً أخرى والتي أجزم أنها من صنع الخيال. فهي في معظمها مشاهد منسوخة من المسلسل التركي الذي لا يزال يعرض منذ العام الماضي. أنضم إليهن على استحياء, ثم أغيب وسط هذا الحشد ولا أهتم بمن يراني معهن, فلا أعدو أن أكون مستمعة سلبية, أنصت إلى الحكايات وأضحك على النكت والمشاهد الساخرة دون المشاركة.

لكن هذا الضجيج يجلب الشؤم على الفصل, فتسارِع الإدارة بإرسال معلمة احتياط تضبط الفوضى وتحيلنا أصناماً على كراسينا.

ها هو اليوم الثاني بدون معلمة اللغة العربية يحل, فننعم بحصة فراغ واحدة نستعيد فيها أنفاسنا أثناء يوم دراسي طويل. مر اليوم الثالث والرابع حتى انتهى الأسبوع. سعدنا بهذا الغياب, فحصة اللغة العربية من الحصص المملة الثقيلة على غالبيتنا. نبذل فيها قصارى جهدنا للتعرف إلى الجار والمجرور, والمنصوب والمرفوع والمبني, وهل علينا أن نعرف كل كلمة وما تشغله من موقع في الإعراب؟ هذا كثير يا إلهي. ثم إن مواضيع القراءة المعقدة عن الانفجارات الشمسية, ومحطات تحلية المياه, التي تخرج عن تخصص الأستاذة منى وتجعلها تستعين بالأستاذة سعاد معلمة العلوم لتشرح لنا المادة العلمية في الدرس, ثم تعود الأستاذة منى لتكمل ما يتعلق بفنون القراءة فتستخرج الأفكار الرئيسية والفرعية وتشرح المفردات, وتكمل معنا الأستاذة سعاد في حصة أخرى وتستكمل تفسير الظواهر الفيزيائية والأنشطة الشمسية. هنا تصبح الأفكار خليطاً غير متجانس في ذهني لتدخل الشمس في مدار الأرض وتدور الأرض حول القمر وتبدأ النجوم في الدوران حول رأسي. لا أفهم شيئًا من هذا, كما أنني سئمت الدرس الطويل الذي قد يأخذ أسبوعاً ولا ينتهي. ما أجمل المدرسة لولا هذه الأعباء الكثيرة. أضيفي علامة الاستفهام.

وعاد يوم الأحد من جديد وقد خفضت سقف توقعاتي لهذا الأسبوع, فأغلب الظن أن الأستاذة منى س

تعود بعد تعافيها من وعكتها الصحية. ولكن المفاجأة أننا وجدنا فتاة جميلة في انتظارنا بابتسامة عريضة على باب الفصل وهي تطلب منا الإسراع لتصحبنا إلى المكتبة. هل هذه معلمة جديدة؟ كنت أتساءل طوال الطريق, تبدو صغيرة في مثل عمرنا. ثم إن هندامها وأناقتها يوحيان بأنها إحدى نجمات (الانستغرام).

جمعتنا الجميلة في المكتبة وفتحت حاسوبها اللوحي الموصول بجهاز العرض وأخذت تستعرض سيرتها الذاتية.

الاسم: ندى محمد

المؤهل: ليسانس آداب في اللغة العربية وآدابها

المهنة: معلمة لغة عربية

سنوات الخبرة: سنتان

مؤهلات أخرى: طالبة ماجستير تخصص أدب وبلاغة في جامعة الشارقة.

ظلت الطالبات طوال استعراض السيرة الذاتية في حالة من الانبهار بهيئة المعلمة والطريقة المبتكرة التي توخَّتها في تقديمها لنفسها؛ فقد كانت موسيقى الخلفية الحالمة والفيلم القصير الذي يحمل مشاهد لها في الجامعة ومختبر اللغات والمدارس التي عملت بها مشوقاً متقناً في تصويره وإخراجه. وأخذت بعد ذلك تتعرف إلينا وتسألنا عن أسمائنا وتكررها لحفظها ثم أنهت الحصة بتوزيع ديوانها الأول علينا وبداخله ورقة فيها جدول يوزع فروع اللغة العربية على أيام الأسبوع. إذن، بالإضافة إلى ما تقدم، فهي شاعرة! عدنا إلى الفصل وأصواتنا كأزيز النحل ونحن نتحدث عن الشاعرة التي ستدرسنا، وعن أناقتها وإنجازاتها الكبيرة مقارنة بعمرها. كما أخذنا نتصفح الديوان الأنيق ذا اللونين الأبيض والزهري والذي تتوسط غلافه فراشة كبيرة جناحاها محددان باللون الفضي وتقف على زهرة نوار برية بعنوان "انقلاب الفراشة". فبدا كمفكرةٍ أنيقة من التي نقتنيها لتكتب لنا الزميلات إهداءات الصداقة والوداع آخر العام الدراسي.

كم نحن محظوظات. في هذا اليوم لدينا حِصتا لغة عربية--- انتظرنا الثانية بشغف ونحن ننتظر الدقائق تلو الدقائق حتى حانت الحصة الأخيرة لتدخل علينا معلمة الرياضيات. فقد بدَّلت الحصة وستأخذنا معلمة اللغة العربية لمدة حصتين في الغد بدلاً منها.

الفصل الرابع - الصداقة

استمرت الأستاذة ندى في تدريسنا حتى نهاية العام--- وانقضى الحلم الجميل كقصيدة عذبة لا يزال صداها في آذاننا.

لقد قلبت هذه الجميلة مفاهيم اللغة في رأسي--- ورتقت شقوق علاقتي بالمدرسة. هي كقطعة السكر؛ إذا حضرت في الساحة تجمعت حولها الطالبات كالنحل على الزهرة. وإذا جلست على مقعد الاستراحة تزاحمن للجلوس بجانبها واختلاق أسباب تتيح فرصا للحوار. لم أرها يوما إلا وهي بصحبة ديوان شعر--- أو رواية--- أو مجلة تتصفحها.

وبسببها نما شغف القراءة فيَّ وثبَّت أول جذوره. ولقد اقتنيت دفتراً أنيقاً أسجل فيه خواطري فأعرضها عليها كلما تمكنت من الانفراد بها.

- أستاذة ندى صباح الخير.

- صباح النور والسرور, عفراء. كيف حالك؟

- أنا عليا, لست عفراء.

- آسفة علياء, لا أحفظ الأسماء بسهولة, ثم إن اسم علياء يتكرر في كل الشعب التي أدرِّسها, وعفراء اسم عربي فريد يعني الأرض ذات البياض التي لم ُتوَطأ.

- وعلياء أليس اسماً فريدًا?

- ههههه, بلى إنه كذلك, لا عليكِ, أعدك أن أتذكر الأسماء جيداً.

خيّمت عليَّ حالة من الخجل وشيءٌ آخر لم أتمكّن من تحديده. فسألتها:

- لو خيروك أستاذة بين اسم علياء وعفراء ليكون اسمك ماذا ستختارين؟

قالت بحزم:

- ندى. وابتسمت ابتسامة عريضة وأخذت بيدي وأجلستني على الكرسي الإسمنتي العريض في الساحة.

- علياء, الاسم مجرد علامة, لا يهم إن أخطأ أحدهم فيه, أو نسيه؛ الجوهر هو الأساس, فمن يراني ويعرف سماتي وتنطبع في ذاكرته صفاتي الشخصية ومعاملتي معه لن ينساني أبداً وسيكون هذا هو الانطباع الأول الذي يرسخ في ذهنه حتى لو نسي اسمي.

- نظرت إلى الدفتر الذي في يدي وسألتني: هل كتبتِ جديداً.

- نعم أستاذة, كتبت موضوعاً عن الصداقة.

- ولماذا الصداقة تحديداً؟

- لأنني أحتاج إلى صديقة, ولم أجد من أسميها صديقتي حتى الآن.

- معقول يا علياء! أنت مهذبة ولطيفة, هل جربت البحث عن واحدة تليق بكِ؟

- لا أستاذة; لم أجرب, أخاف أن أضايق إحدى الزميلات وأخشى ألا يتفهمنني.

- لَم هذا الخوف؟ الأمر أبسط من ذلك بكثير.

- لكنني لم أشعر حتى الآن بالانسجام مع إحدى الزميلات.

- فقط أعطي نفسك وأعطيهن الفرصة, ثم قيِّمي التجربة يا علياء, وقرري بعدها من تتخذين صديقة. الخوف شعور محمود لو كان في محله؛ فقد ينقذ حياتنا أحيانا, ولكنه قد يحول دون استمتاعنا بها متى كان هذا الشعور بغير داع وفي غير موضعه.

ثم باغتتني ساحبة الدفتر من بين يدي وهي تبتسم:

- سأرى ما كتبت أولاً, ثم نختار مع من تبدئين التجربة.

وأخذت تقرأ: صديقك هو كفاية حاجاتك, هو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر, الصديق هو الحاجة الفطرية, صندوق أسرارك الأمين, والمتنفس حين تضيق بك الدنيا.

رائع يا علياء اقتباسك من أقوال الأديب جبران خليل جبران في كتابه (النبي) وجعله في مقدمة المقال، ولكن لا تنسي أن تنسبي الأقوال لقائليها.

بعث هذا الحديث رغبة جديدة بداخلي للكتابة أكثر, وأطلقني في أفق جديد للصداقة المنشودة مع محبوبة الطالبات.

اشتدت حرارة الجو مع اختبارات نهاية الفصل الدراسي, وزاد الطين بلة المواد الدراسية العشر التي أثقلت كواهلنا, حتى شعرت أن في رأسي مطاراً تقلع منه طائرة الرياضيات لتحط فيه طائرة اللغة الإنجليزية, ثم تقلع في اليوم التالي لتحط طائرة أخرى.

إلى أن جاء اليوم الأخير من اختبارات الفصل, وجل ما يشغل بالي هو كيف أحتفل بإنجاز العام الدراسي, أخذت دفتري معي للمدرسة وانتظرتها بعد نهاية الاختبار. كان كل ما أطمح إليه أن تكتب لي بيتا من قصيدها.

ها هي تخرج من غرفة إصلاح الاختبارات قادمة نحونا.

الأستاذة ندى: مرحبًا عزيزاتي.

الطالبات, بصوت شبه موحد: مرحبًا أستاذة.

الأستاذة ندى: كيف كان اختباركن اليوم؟

مريم: كان سهلاً لكن الوقت قصير وبالكاد استطعنا الانتهاء من الإجابة.

عائشة: نعم كان سهلاً ومباشراً, المشكلة كانت في الوقت فقط.

أمل: لا لم يكن الوقت قصيراً, بل لقد أجبت وراجعت إجاباتي مرتين.

أنا: لم أستطع الفراغ من السؤال الأخير, فقد تركت فيه الجزأين الأخيرين بلا حل.

الأستاذة ندى: لا عليك يا علياء, فالأسئلة الكثيرة تعني أن الدرجات ستكون موزعة عليها ولن ُتخصم سوى درجتين أو ثلاث.

طمأنتني هذه الكلمة وكأنها جرعة المسكِّن التي تأخذني في نوم عميق بعد صداع يوم صيفي طويل.

وتحمست أن أكون أول من يعطيها مفكرته لتكتب لي, ثم طلبت منها رقماً للتواصل فابتسمت وكتبت رقم جوالها في ذيل الصفحة.

الفصل الخامس - صّيف يا صيف

وبدأت العطلة الصيفية بالكثير من الآمال والفرح, لقد حصلت على نسبة 89.6% في الصف العاشر وسأنتقل للصف الحادي عشر حيث مفترق الطرق. اليوم اجتمعت الفضائل كلها؛ 16 يونيو بدأت العطلة, وهو اليوم الموافق ليوم ميلادي أيضا, لقد أكملت أربع عشرة سنة بالتمام, إضافة إلى حصولي على رقم الأستاذة ندى, وهو الأهم في الأمر كله.

بدت الأيام الأولى في العطلة كالعادة براقة لامعة بهيجة, كنت أنام ملء جفني حتى ساعة متأخرة من الظهر, لا منبّه, لا قيود زمنية, لا واجبات, بدأت أفقد في الأسبوع الثاني التمييز بين الأيام, في الليالي التي كنّا نواصل فيها السهر حتى الصباح, كنت أفاجأ بوالدي يفطر في الصالة, ثم أكتشف أنه يوم الجمعة.

أشعر بارتياح بسبب ذلك, إن مفعول العطلة الحقيقي يظهر عندما يتلاشى الإحساس بالزمن, ويكون محتوى يومي الأساسي (اللا عمل), أن أشعر بأني حرة لا يلزمني شيء, أي شيء على الإطلاق غير متطلباتي الشخصية.

الأيام الأجمل بلا منازع هي تلك التي نزور فيها جدتي مع نهاية الأسبوع, هكذا بدت الأمور في الأسبوع الأول والثاني والثالث. في هذا الأسبوع اتصلت جدتي بوالدي وطلبت منه إحضار بعض الحاجيات من سوق المدينة; فثمة أقارب سيحلون ضيوفاً عليها يوم الجمعة. وفي مساء الخميس شرعنا في الإعداد للزيارة.

"علياء.. علياء.. هذا صوت أمي," أحضرت أمي جوالها والتمست مني أن أطلب من إحدى حسابات الإنستغرام المتخصصة في الحلويات, طبقاً مميزاً من الحلويات اشتهر في الآونة الأخيرة, أرادت أمي أن تتميز بين كنَّات جدتي في دعوة الجمعة أمام ضيوفها. وأوصتني بالبحث عن أنواع جديدة من الأطعمة لتأخذها معها في الغد.

"أمي, في مركز التسوق الجديد يوجد محل للشوكولاتة البلجيكية الفاخرة التي تباع في بلجيكا وسويسرا. منذ مدة افتتح الفرع الثالث في مدينتنا."

"حقًا؟ هل الأسعار فيه مناسبة؟"

- لا أعرف, ولكن يمكننا الدخول على موقع المركز ففيه خاصية الطلب عبر الإنترنت والتوصيل المجاني.

- هاه, لقد وجدت الموقع, أسعار الشوكولاته تبدأ من مئتين وخمسين درهماً للكيلوجرام الواحد.

- لا لا, هذا غاٍل, ثم إن جدتك لا تهتم بالحلويات الأوروبية, سأصنع لها قدراً كبيراً من عصيدة البوبر (وعصيدة البوبر تعني: نوع من الحلوى تصنع من دقيق القمح والسكر والبوبر, وهو اليقطين, أو ما يعرف بالقرع الأحمر أو القرع العسلي, وهي حلوى محلية مفضلة) فهي المفضلة لديها وستفخر بها أمام أقاربها.

تكاد الضحكة تفرط مني وأكتمها قسراً, في العيد الماضي اشترت أمي حلويات مغربية فاخرة كلفتها ألفا وخمسمئة درهم, أهدتها لبيت خالتي, ولكن أمركن عجيب أيتها الكنّات تردن رضا الحماة بأبخسِ الأثمان.

أخذنا والدي باكراً هذه المرة إلى بيت جدتي, لنساعدها في تجهيز المائدة, ونزلنا بسرعة ليذهب هو وإخواني إلى صلاة الجمعة.

أخذنا في تصفيف الأطباق على السفرة المفرودة على أرض المجلس, كانت جدتي قد أعدت أربع ذبائح, اثنتين للرجال أخذت مكانها في المجلس وأخريين للنساء ذهبت إلى الصالة. وجلبت عمتي قدراً ضخماً من الهريس (والهريس يعني: حبوب القمح الكاملة المطبوخة مع لحم الضأن أو البقر أو الدجاج, حتى يصير قوامها مهروساً ممتزجاً, وهو طبق محلي تشتهر به الولائم والأعراس والأعياد) شرعنا في غرفِه في صحون أنيقة طويلة, وكنا قد وضّبنا وجهه بالسمن البقري الخاص الذي تعده جارة جدتي في مزرعتها. أما الأسماك فهي من اختصاص عمي الذي يملك طراداً يمارس فيه هواية الصيد المفضلة. كان قد أحضر معه أربع أطباق كبيرة من السمك, والروبيان, والسلطعون الضخم المشوي على الفحم. وأما الحلويات, فقد كان طبق والدتي والمفضل لدى جدتي في المقدمة على الطاولة الجانبية ليأخذ دوره إلى الضيوف بعد الغداء مع القهوة. فعصيدة والدتي مضروبٌ بها المثل في العائلة, حتى إن عماتي وخالاتي يطلبنها في مناسباتهن وولائمهن الخاصة, لتكون في صدر قائمة الحلويات المحلية النادرة.

الإعداد والترتيب الذي يسبق الوليمة أمر فيه من الصعوبة ما فيه؛ فهو يستهلك وقتاً وجهداً كبيرين, بينما مهمة القضاء على الأطباق لا تتطلب سوى بطن جائع وشهية مفتوحة, ووجوه طلقة تشاركك السباق.

انتهى الجميع من الغداء وقاموا يغسلون أيديهم واحداً تلو الآخر, ثم قدم والدي حيث تجلس جدتي يستأذنها بدخول الضيف وابنه للسلام عليها, فهما لم يلتقياها منذ ما يقارب خمسة عشر عاماً.

كان ذلك الضيف حفيد أخت جدتي الكبرى, وهو في عمر والدي تقريباً, وقد قدم للسلام على خالة أبيه بناءً على وصية منه قبيل وفاته. هم يسكنون مدينة غياثي الصحراوية التي لم أزرها حتى الآن فهي تقع في الجزء المنتمي لصحراء الربع الخالي من الدولة.

ارتدت جدتي برقعها (والبرقع يعني غطاء للوجه يصنع من القماش المصبوغ بمادة النيل ويحتوي فتحتين للعينين.) الجديد اللامع ودخل العم سالم وابنه للسلام عليها فصافحاها وقبلا رأسها وجلسا بجانبها على الأريكة يتبادلون السلام والسؤال عن الحال والأهل.

أخذت تنادي عماتي والحفيدات الواحدة تلو الأخرى وتعرّفهن إلى العم سالم وتدعوهن للسلام عليه.

كنت قد تسمرت في مكاني منذ دخول الضيفين وكأنني تمثالٌ شمعي من التماثيل التي يحفل بها متحف الشمع في لندن. وإذا بي ألمح نظراتٍ حادة خاطفة تلفحني ممن يجلس على نفس الأريكة التي تجلس عليها جدتي, لم أكن أجرؤ على التحديق والتأكد ممن يرميني بهذه النظرات السريعة الفاحصة, حتى جاء دوري ونادتني جدتي.

- علياء, تعالي بنتي. سلمي على عمك سالم وابنه فيصل. هذه علياء بنت راشد ولدي البكر.

- السلام عليكم عمي. مددت يدي, وقد مد يده هو أيضاً باتجاهي ورد السلام.

- ما شاء الله, علياء بنت راشد الكبرى؟

- لالا هذه الثانية, قبلها محمد في السنة الأولى في الجامعة, وهو الذي كان معكم في المجلس.

- إذن محمد في سن ابني فيصل.

- ومد فيصل يده لمصافحتي, فأحسست وكأن يدي وضعت في الثلاجة. سرت برودة قارسة في جسدي كله, كادت تأخذني إغماءة عابرة لولا صوته وهو يسألني: كيف حالك؟

رفعت رأسي لأبلغ طول قامته ولا أدري كيف عرفت عيناي الطريق إلى عينيه. كل ما أعرفه أنني أجبت عن السؤال: بخير. وكنت أشك أن صوتي يسمع، فقد كانت شفتاي تتحركان، ولكنني لم أعرف إلى الآن كيف فقدت القدرة على إظهار صوتي.

قام الضيفان إلى المجلس لاستكمال الضيافة وشرب القهوة، وبقيت أنا في ذلك الوجوم أذهب إلى الغرفة لأرى وجهي في المرآة، فاكتشفت أجمل فتاة في الوجود، أتأمل عيني، شفتيّ، وخصلات شعري السوداء الظاهرة على جبيني، فأرفعها حيناً، وأنزلها حيناً آخر في محاولة لزيادة جرعة الجمال على محياي.

ثم خرجت للجلوس في الصالة بصحبة النسوة والفتيات، وبعدها ذهبت إلى فناء الدار وشرعت في عد النعال المصفوفة على عتبة المجلس للتعرف على عدد الموجودين فيه.

شعرت بالحر فعدت إلى داخل البيت، ووقفت خلف باب الصالة الزجاجي العاكس، حيث أرى من يعبر دون أن يراني. كان الباب بارداً بسبب برودة التكييف، قربت فمي من الزجاج وضخخت نفساً دافئاً ليتكاثف بخار الماء، وكتبت بسبابتي (ف)، فإذا به يخرج من باب المجلس متوجهاً إلى الخارج. دارت بي الأرض دوراناً يشبه لعبة الأطباق في القرية العالمية، شعرت بمغناطيس يسحبني إلى الخارج، لكنني اصطدمت بالباب. توقف تفكيري للحظة ووجدتني أخرج من باب الصالة وأعبث بشجرة الفل التي أمامي. في شيء من الخوف والخجل واللهفة والتيه، عاد فيصل متوجهاً إلى المجلس حاملاً معه جوالاً. وجه نظره إليّ مبتسمًا واقترب.

- نسيت جوالي في السيارة، هل لديكم شبكة واي فاي؟

- نعم.

- هل يمكنني معرفة كلمة السر؟

- إنها رقم جوال والدي، وأمليت عليه الرقم.

- وهل يمكنني معرفة رقم جوالك؟

- أممم، جوالي، عفوًا، جوالي لا يعمل، نعم إنه عطلان لا يعمل.

- لا بأس، سأحفظه ريثما تصلحينه.

- صفر خمسة اثنان...

- رقم مميز، هل تبادلينني؟ (مبتسمًا).

ابتسمت واستدار نحو المجلس وعدت للداخل. ذهبت إلى والدتي مباشرة وسألتها عن جوالي المعطل، فقالت لي إنه في درج السيارة، ونسيت أن تصلحه في الأيام الماضية. فألححت عليها حتى تصلحه، ووعدتني أن تأخذه لمحل الهواتف صباح السبت.

الفصل السادس - يادي يادي يادي المشاعر

مرّت أسبوعان وأنا في حيرة من أمري. ما الذي دفعني لأعطي رقم جوالي لفيصل؟ لماذا تسرعت هكذا؟ لم أجد في داخلي سببًا وجيهًا يبرر ذلك، ولا سببًا وجيهًا أيضًا يسمح لي بلوم نفسي أو معاتبتها. كنت فقط أبحث عن سبب حقيقي مقنع أستند إليه لشرح سلوكي هذا. لم تكن المرة الأولى التي يُطلب فيها مني شاب رقم جوالي؛ فقد تكرر ذلك في مراكز التسوق والقرية العالمية ورحلات البر، وحتى أثناء انتظاري حافلة المدرسة صباحًا. ولكنني لم أجرؤ على هذا الفعل من قبل.

هل كنت سأفعل ذلك لو كانت إحدى بنات عماتي بصحبتي حينها؟ هل خلوتنا في فناء البيت هي التي أتاحت لي الفرصة ودفعتني إلى هذه الجرأة؟ ألم يكن أبي يُعتبر من السلوك الطبيعي فصلنا عن أبناء عمومتي وعماتي؟ وكان يوصي أمي بذلك عند زيارتنا لأخوالي وخالاتي؟ وبالرغم من حيرتي، كنت في انتظار إصلاح الجوال المعطل الذي أصبح فيما بعد ضائعاً، من يد أمي إلى يد أبي إلى يد محمد، ثم نسيه أخي محمد إحضاره من المحل، وبعد ذلك نسيه في سيارته التي أخذها للصيانة الدورية. وكل يوم كنت أسأل نفسي السؤال ذاته: هل اتصل فيصل ووجد جوالي مغلقاً؟ هل يعتقد أنني كذبت عليه وأعطيته رقمًا وهميًا؟ أم أنني تراجعت عن فكرة التواصل معه؟

وأخيرًا، بعد ستة عشر يومًا، وصل جوالي بالسلامة وقد تعافى من وعكته. أخذته وتوجهت إلى غرفتي لأضع شريحة الاتصال وأجربه. أعدت تشغيل الجوال وانتظرت. في العادة، إذا جاءني اتصال والجوال مغلق، تصلني رسالة إخطار نصية برقم المتصل. انتظرت ما يقارب النصف ساعة ولم يصلني شيء، ثم اتصلت بشبكة الواي فاي وبدأت الرسائل تتساقط عبر برنامج الواتساب من زميلات المدرسة والقريبات والمجموعات العائلية. بدأت في الاطلاع على الرسائل، وإذا برسالة تحمل رقمًا غير مسجل في هاتفي: "مرحبًا جميلتي، أنا فيصل."

انتابتني رعشة من خصلات شعري إلى أظفار قدمي. لم أكن أدري أخَالَجها الفرح أم الخوف. كانت تشبه الرعشة الأولى عندما تلامس زخات المطر وجهي في بواكير الشتاء.

حدقت في الشاشة لمدة لا أعرفها، وأنا أقرأ الرسالة وأعيد قراءتها، أعد حروفها، فكلماتها، ولأول مرة أعرف أن لقلبي عصافير تشدو على إيقاعه. أخذت أحلل أرقام الجوال الاثني عشر، وأقرؤها من اليسار إلى اليمين، وأعكسها نحو اليسار، لأحاول إيجاد روابط بينها تسهل حفظها. كانت أرقاما مبعثرة لا تمت لبعضها بصلة.

بقيت في حيرة من أمري طوال هذا اليوم. لا أدري هل أرد على رسالته أم أتجاهلها؟ ولم أتجاهلها وأنا التي استجبت لطلبه؟ ولكنني إذا أجبته قد يستمر في مراسلتي أو الاتصال بي، وقد يعلم بالأمر أحدهم، وتكون مشكلة لا تحمد عاقبتها.

وفي صباح اليوم التالي تذكرت أنني لم أضف رقم جوال الأستاذة ندى، فسارعت لدفتري ونقلت منه الرقم وخزنته، ثم أرسلت لها رسالة تفيد بأنني طالبتها علياء. وجدت رسالة بتوقيت البارحة بعد منتصف الليل من فيصل: "أعتذر يبدو أنني أخطأت الرقم."

انتابتني ذات الرعشة التي هزتني عند الرسالة مضافًا إليها الخوف من الفقد. فهذه الرسالة بمثابة النهاية لما لم أبدأه بعد. بدأت أناملي بالطباعة ولم أستطع أن أمنعها. فقد كانت تنساب على لوحة المفاتيح بسرعة فائقة.

أنا: مرحبًا فيصل، أنا علياء وأعتذر فقد كان جوالي معَطّلاً.

فيصل: صباح الخير، أخيرًا جميلتي.

أنا: أعتذر عن هذا التأخير فقد كان خارجًا عن إرادتي.

فيصل: ظننت أنني أخطأت في أحد الأرقام، ولكن بقي عندي أمل.

أنا: ...

فيصل: لقد اشتقت إليكِ، مرت ثمانية عشر يومًا على لقائنا.

أنا: وأنا أيضًا.

فيصل: وأنتِ أيضًا ماذا؟

دام صمت لخمس دقائق، التفت يمينًا ويسارًا رغم كوني واثقة أنني بمفردي في الغرفة، لكنني لم أكن مطمئنة. فقفزت بسرعة لأغلق باب الغرفة وتأكدت من إحكام إقفاله.

فيصل: وأنت أيضًا ماذا؟ علياء؟ قوليها.

أنا: وأنا أيضًا.

فيصل: علياء، قوليها.

بعد تردد دام لدقائق.

أنا: وأنا أيضًا، اشتقت إليك.

فيصل: هل يمكنني الاتصال لسماع صوتك؟

أنا: لا لا، أنا في الصالة مع العائلة.

فيصل: حسنًا، سأراسلك لاحقًا، انتبهي لنفسك.

أنا: وأنت أيضًا.

أغمضت عيني لوهلة وغبت مع الكلمات وتراءت لي صورته التي وضعها في شاشة عرضه وأخذت تكبر شيئاً فشيئاً حتى صارت تملأ الأفق، وشممت رائحة عطره المركز النفاذ وكأنه أمامي حينها، واستعدت ملمس يده التي صافحتني فغمرني دفءها. حتى فتحت عيني فجأة على صوت تنبيه الجوال إلى نفاد البطارية، عندها سارعت إلى وصله بسلك الشاحن وتركته في الغرفة ورحت أتأمل صورته التي لم تفارق مخيلتي منذ المحادثة.

عدت لتفقد الجوال بعد ساعتين ولم أجد رسالة منه، ووجدت رسالة من الأستاذة ندى ترحب بي وتسألني عن عطلتي وما أفعله بها، وددت لو أستطيع وصف سعادتي التي كانت تغمرني حينها، وإخبارها بما حصل لي في هذه العطلة المختلفة.

بدا لي اليوم طويلاً ومملاً وأنا في انتظار فيصل. الساعة تعاندني كلما وجهت نظري إليها أجد عقرب الدقائق لا يتحرك سوى دقيقة واحدة كل خمس دقائق.

دعتني أختي الصغرى للعشاء، فقد طلبت والدتي لنا البيتزا من مطعمنا المفضل، لكنني لم أشعر بالجوع ولا رغبة في تناول أي شيء، شعرت ببداية صداع يداهمني فاستلقيت على سريري ونثرت شعري على وسادتي وأغمضت عيني فأخذت أناملي تعبث بخصلات من ذوائبي وأنا أستمع إلى أغنية شيرين:

مشاعر تشاور تودع مسافر

مشاعر تموت وتحيا مشاعر

يادي يادي يادي المشاعر

يادي المشاعر.

فتحت والدتي الباب فجأة وقطعت عليَّ النشوة التي غمرتني وصاحت بي:

- عليوه, لقد برد العشاء. لم لا تأتين؟ أرسلت لكِ شموه مرتين.

- حسنًا, حسنًا, يا أمي, سآتي حالا. لا تأكلوا حصتي.

قمت إلى المرآة أتفقد نفسي ولممت شعري وخرجت إلى الصالة أبحث عن البيتزا فلم أجد سوى الأطراف المحشوة بالجبنة, وأكلتها من الجوع.

مرت تلك الليلة ولم يظهر فيصل في (الواتساب), فساورني القلق عليه. استحييت أن أبادر بالإرسال, فانتظرت حتى الصباح, وعندما لم أجد منه رسالة, أرسلت له.

أنا: صباح الخير, كيف حالك؟

لم يأت الرد إلا قبيل العصر.

فيصل: مساء الخير, جميلتي. كنت نائمًا. كيف حالك أنت؟

سمعت تنبيه الجوال للرسالة القادمة وكنت قد حددت نغمة تنبيه خاصة له. فقرأت الرسالة وأجبته.

أنا: الحمد لله أنا بخير. كنت قلقة عليك.

فيصل: حقا جميلتي؟ كنت قلقة لغيابي البارحة؟

أنا: كنت أراقب ساعة دخولك ووجدتك لم تدخل منذ عصر البارحة فقلقت.

فيصل: آسف جميلتي, كان عليَّ أن أخبركِ بأني خارج في رحلة صيد مع أصدقائي, فأنا أهوى الصيد وأخرج في ليالي الصيف المقمرة لأنها الأفضل.

أنا: لكنكَ لم تدخل البرنامج حتى عصر اليوم!

فيصل: نعم, فالرحلة من مدينتنا الصحراوية إلى غاية أقرب بلدة على الساحل تستغرق نحو ساعتين, ثم أواصل السهر حتى ساعات الصباح الأولى في البحر, وبعد عودتي كنت متعباً للغاية واستغرقت في النوم حتى هذه الساعة.

أنا: حمدًا لله على سلامتك, لا بد أنك جائع.

فيصل: نعم, إني جائع; فلم أتناول الغداء بعد, ولكنني أتضور جوعاً لسماع صوتك.

ساد الصمت; فقد أخجلني ما كتبه أيَّما خجل, وشعرت بنظراته تخترقني وأنا أنظر إلى عينيه في الصورة.

فيصل: متى سأسمع صوتك يا علياء؟

أنا: ها نحن نتحدث كتابة, ألا يكفي هذا؟

فيصل: قد يكفيك أنتِ, لكنني لا أكتفي منك.

أنا: إنك تحرجني بكلماتك هذه.

فيصل: ما المحرج في كلماتي؟ هاه, ما أجمل خجلك يا علياء. علامة الاستفهام, سأراسلك لاحقاً, اهتمي بنفسك.

أنا: وأنت أيضًا اهتم بنفسك.

استمرت مكالماتنا لأسابيع واعتدنا أن نتحدث قبيل النوم, فتنبت لي أجنحة من حيث لا أدري لتحملني إلى عالمه, وتتفتح في قلبي بساتين الزهر, وترصع سماواتي أقمار لا تحصى.

وذات ليلة, اتصل فيصل في وقت متأخر لم نعتد التحدث فيه.

فيصل: مرحباً جميلتي.

أنا: هلا وغلا فارسي الوسيم.

فيصل: اشتقت إليك كثيراً.

أنا: وأنا أيضًا افتقدتكَ أكثر منك, تأخرتَ الليلة, ظننتك في رحلة صيد.

فيصل: لا فقط كنت في مجلس أحد الأصدقاء واسترسلنا في الأحاديث. علياء, أيمكنني إجراء مكالمة فيديو معك؟

أنا: لكنك رأيتني وتعرف شكلي جيدًا, ثم إن الوقت متأخر الآن.

فيصل: إذًا أرسلي لي صورة مباشرة الآن.

أنا: لا توجد لدي صورة مناسبة الآن.

فيصل: (هههه وتقولين اشتقت إليّ؟

أنا: هههه نعم, اشتقت إليك, ولكن النوم اشتاق إلي أيضًا.

فيصل: حسنًا جميلتي, يبدو أنني سأنام أيضًا. تصبحين على خير.

أنا: تصبح على خير.

لم يعاودني النوم بسهولة تلك الليلة، ظللت أفكر في طلبه. تارةً ينتابني القلق من الإقدام على ذلك، ثم لا يلبث أن يتبدد، فقد سبق وأن رآني والصورة لن تغير شيئًا. ثم تنهال علي الأسئلة التي لا أجد لها إجابة. وتعيد الأفكار الدورة ذاتها.

فكرت في التحول مرة أخرى إلى الرسائل، لتجنب الحرج والقلق الذي يسببه لي طلبه. وقد نجحت في ذلك متذرعة بمشاركة أختي لي في غرفتي بسبب عطل أصاب التكييف في غرفتها.

وشيئًا فشيئًا تراجعت مكالماتنا أواخر العطلة الصيفية، فصارت لا تتعدى مرة أو مرتين في الأسبوع، ثم انقطعت عندما سافر مع أصدقائه إلى ألمانيا. لقد أحزنني هذا الانقطاع الذي استمر حتى بعد العطلة الصيفية، لكنني قطعت عهدًا أن أعامله بالمثل، وإن عاود مراسلتي فسأكون أكثر رسمية في حديثي معه. كان عليه أن يودعني قبل سفره، وأن يراسلني وهو في الخارج. ما المانع من ذلك؟ كلنا نستخدم جوالاتنا ووسائل التواصل في السفر.

لا يوجد لدي غير تفسير واحد لصنيعه، إنه مزاجي، وقد تواصل معي في وقت فراغه ووجوده في الدولة، لكن سفره قد شغله عني وجلب له وسائل ترفيه أكثر متعة. وأنا أيضًا يمكنني أن أجد ما يشغلني وله أولوية وأهمية أكبر من التواصل معه، سألقنه درسًا، لكن... إن عاود التواصل.

الفصل السابع - مفترق الطرق

مرت الأسابيع الأخيرة في العطلة الصيفية ثقيلة يشوبها الملل. لم أتوقع الأثر الذي خلفه سفر فيصل. بدأت بالتأقلم مع الوضع وانشغلت في التحضير للعام الدراسي الجديد.

أخذتنا والدتي ذات صباح إلى أكبر مكتبة متخصصة في القرطاسية، كانت تقع في مركز تسوق ضخم. قضينا نهاراً بأكمله نتسوق بدءاً من الأقلام والمساطر، إلى الكراسات والطوابع، وانتهينا بالحقائب. حرصت كثيراً على شراء كل الأدوات من العلامة التجارية نفسها والألوان ذاتها. فجنّدت إخوتي للبحث عن الأدوات التي لم أعثر عليها بمفردي ليتكون لدي طقم متكامل يخولني التباهي بذوقي وأناقة اختياري أمام الزميلات. ثم استأذنت أمي لشراء عطرٍ لائق يفتح شهيتي للمدرسة، فوقع اختياري على عطر صيفي خفيف بعبير الليمون ونسيم البحر.

كانت جولة ممتعة غنمت فيها الكثير، وختمناها بالغداء في مطعم المعجنات الإيطالية المفضل لدينا جميعًا. وفي طريق العودة سألت أمي ممازحة: "هاه يا حلوين، هل بقي شيءٌ لم تشتروه من مركز التسوق؟"

شماء: "نعم، كنت أريد شراء أقلام للسبورة أهديها لمعلمتي في بداية العام."

أمي: "لن أنتهي من طلباتكم، هذه ليست مهمتكم. على المعلمة تدبر الأمر."

شماء: "لكنّها أوصتنا بجلب بعض التجهيزات مع مطلع العام الدراسي."

أمي: "هذا ما ينقصنا أن نصرف على المدرسة."

فضحكنا جميعاً إلا شما، فقد امتعضت وظلت سارحة في الطريق لوهلة. ثم قالت: "لكنّني أحب معلمتي، فهي تجلب لنا الحلوى والملصقات الكارتونية في مطلع كل أسبوع وستسرّ بالأقلام، خاصة أنها تُستهلك سريعًا، وأحب أن أفاجئها بتوفرها معي حين تحتاجها في الصف، والأقلام يا ماما نستخدمها نحن التلميذات أيضًا، فهي تطلب منّا حل المسائل الرياضية على السبورة."

فاقترحت: "لِم لا تتفقين مع زميلاتك يا شما على اقتطاع مبلغ من مصروفكن لتوفير أدوات الصف التي قد تنفد فجأة، وبذلك تشتركن كلكن في شراء المطلوب."

أمي: "أحسنتِ يا علياء، هذا ما قصدته، أن نتكفل نحن بتوفير احتياجات أبنائنا، وعليهم تعلّم تحمل المسؤولية وإيجاد حلول لما يعترضهم في حياتهم المدرسية على الأقل. سأشتري لك ما طلبت هذه المرة، ولكن بعدها جربي اقتراح أختك وستشعرين بالفرق."

فجأة صاح عبدالله: "ماما، ماما، لِم لا نذهب إلى البحر؟ أريد أن أرتدي ملابس السباحة الجديدة وأسبح."

أمي: "تريد أن تقتلنا جميعاً من الحر لتسبح حضرتك بالملابس الجديدة!"

تعالت الضحكات مجددًا، ليقطعها اقتراح عبدالله: "فلنسبح كلنا حتى لا تشعروا بالحر، ماما أرجوكِ."

أمي: "لقد قاربت الشمس على المغيب يا حبيبي وأنا متعبة من التجوال في السوق، ثم إن ملابس السباحة الجديدة لحصة النشاط في الروضة التي ستلتحق بها."

عبدالله: هل سيأخذوننا إلى البحر في الروضة الجديدة؟

أمي: لا يا حبيبي سيعطونك دروس السباحة في الحوض المخصص لذلك.

عبدالله: لا يا ماما، أريد أن أسبح في البحر مع القرش.

أمي: ههههه، بسم الله عليك، حسناً، أعدك أن أطلب من بابا أن يأخذنا إلى البحر فجر الجمعة.

اقتنع عبدالله أخيراً، فصمَت ومرت الرحلة بسلام من دون بكائه وصراخه الذي إن بدأ فلن ينتهي إلى ما شاء الله.

بدأ العد التنازلي للعودة إلى المدرسة، وصارت تشغلني فكرة أنني لم أحدد القسم الذي سألتحق به، وكان والداي يسألانني عن قراري، لقد كان قراري نقطة خلاف بينهما، فوالدتي تشجعني على القسم العلمي وتريد لي مستقبلاً جديراً بالافتخار في الطب أو الهندسة، بينما ينهرها والدي ويصر على أن القرار قراري ويطلب منها ألا تضغط هي عليّ.

لمِ َلا أسأل زميلاتي في مجموعة (الواتساب) لأرى ما هو القسم المفضّل لدى الأغلبية، هذا سيساعدني في حسم الأمر؟

أنا: هلا يا بنات، كيف حالكّن؟

أمل: هلا وغلا علياء، بخير ولله الحمد، وأنتِ؟

مريم جمعة: مرحباً علياء، أين كنت طوال هذه الغيبة؟

شمسة: مرحباً علياء، أنا بخير.

تتوالى الردود سريعاً، وكأنهن متسمرات أمام شاشة الجوال ينتظرنني لتبدأ المحادثة.

أنا: هل سافرتن؟

مريم: لا، لم نسافر، فقط تجوّلنا في أرجاء الدولة.

شمسة: سفرة سريعة للعمرة، لقد نفد رصيد الإجازات لوالدي.

ريم: مرحباً علياء، نعم، أنا في تايلند.

رهف: مساء الخير على الجميع، كيف الحال؟ أنا في عمّان سأعود بعد الغد.

أنا: أنا أيضاً لم أسافر.

عائشة: مرحباً يا بنات، أنا في لندن سأتأخر أسبوعاً على المدرسة، سأعود في الأسبوع الثاني.

أنا: نعم عائشة، لديّ حساب (سناب تشات) الخاص بك، لندن رائعة وعرضك ليومياتك فيها يجعلها أشبه بمسلسل تركي حالم. عائشة ومريم ورهف وزينة وشمسة على التوالي: ههههههههههه. ثم أرسلن وجوهاً ضاحكة متفاوتة في شدة الضحك.

أنا: ههههههه، والآن من هن الحلوات اللاتي سيلتحقن بالقسم العلمي؟

عائشة: الأمر لا يبدو بسيطاً هكذا، يا علياء، فإدارة المدرسة ستنظر في درجات المواد العلمية التي ستكون شرطاً للالتحاق بالقسم العلمي.

مريم: هههههههه، أضحكتِني يا عائشة، من يرغب في القسم العلمي أصلاغً؟ سترين كالعادة، أغلب البنات سيخترن القسم الأدبي، وتبقى قلة قليلة لتملأ صفاً أو صفين للقسم العلمي.

رهف: صحيح يا بنات، ولكن حتى وإن كان عددنا قليلاً، فلن تسمح الإدارة للطالبات الضعيفات في المواد العلمية بالالتحاق بالقسم العلمي.

شمسة: لا يا حبيباتي، من قال لكن ذلك؟ سألتحق بالقسم العلمي رغماً عن الجميع، فأنا أحب الكيمياء والأحياء وإن كانت درجاتي متدنية في الرياضيات. في العام الماضي، سمحت الإدارة للطالبات من ذوات الدرجات المتدنية في المواد العلمية بقضاء الفصل الأول في القسم العلمي خلال فترة تجريبية، يقررن بعدها الاستمرار أو التحول إلى القسم الأدبي.

أنا: هاه حقاً؟ لم أكن أعلم أنه بإمكاننا أن نجرب القسم؟ وهل ينطبق ذلك على القسم الأدبي؟

ريم: من المفروض أن يكون الأمر هكذا.

شمسة: هههه قالت المفروض. لا يا حبيبتي لا أظن، فكيف ستتمكنين من متابعة القسم العلمي في الفصل الثاني وقد فاتك الفصل الأول وأنت تجربين الأدبي؟ نحن بالكاد نفهم رغم الحضور والمتابعة اليومية، فما بالك لو فاتنا فصل دراسي بأكمله بشحمه ولحمه وعظمه وتدريباته واختباراته و.. و.. و.. ههههههه.

أنا: طيب الزبدة يا بنات، من قررت الالتحاق بالعلمي؟

شمسة: أنا، ومريم، وعلي، وشيخة أيضاً.

رهف: أنا.

مريم: أنا.

عائشة: أنا.

أنا: والبقية؟ معقولة؛ من فصلنا فقط ست بنات أو سبع؟

مريم: نعم، وتوقعي أن تنسحب بعضهن، مثلًا شمسة (وتضع وجهًا مبتسمًا).

شمسة: ماذا تقصدين يا مريم هاه؟ هذا شأني، ليس من اختصاصك.

بدا أنهن سيتشاجرن رشقًا بالرسائل، ورأيت من الأفضل أن أنهي المحادثة.

أنا: لقد تأخر الوقت وأشعر بالنعاس. تصبحن على خير.

مرت الأيام الأخيرة بسرعة الضوء، فما إن أصبحت في يوم الأحد الأخير من الإجازة حتى باغتني مساء السبت الأخير فيها. هذا الصباح الحار الرطب كان جافًا منذ إطلالته الأولى، فلم أكتف من النوم. لقد تعودت السهر في العطلة، وها هي المدرسة أكثر جفافًا؛ فقد خلت من الأستاذة ندى، وزاده سوءًا الحيرة التي اعترتني في الساعة الأولى ونحن في الطابور، فقد بدأت معلمة التربية البدنية تسرد التعليمات وتطلب من الطالبات المنتقلات للصف الحادي عشر الاصطفاف في مجموعتين حسب القسم الذي سيلتحقن به. أغمضت عيني للحظة وأخذتُ نفسًا عميقًا، ومع كل ذرة أكسجين كانت ترتسم صورة فيصل أمامي. فيصل! ما الذي أتى بفيصل؟ إنه يقول لي: "العلمي"، "العلمي" طالما التجربة متاحة. فانشققت نحو اليسار وتذكَّرت أنه متخرجٌ من القسم العلمي، وباغتتني ابتسامة لذيذة وأنا أندسّ في الكتلة الصغيرة المتواضعة التي سميت بالصف الحادي عشر العلمي فيما بعد.

الفصل الثامن - أنا و(تِسلا)

انقضى الشهر الأول من العام الدراسي وتقلص عددنا إلى ثمانية عشرة طالبة بعدما كنا سبعة وعشرون طالبة، وتنفّست المعلمات الصعداء؛ فقد سرهَّن ذلك لاعتقادهن أّن المنسحبات لسن الفئة المستهدفة للقسم العلمي وأن قدراتهن لا تضاهي المهارات المطلوبة في المواد العلمية. في الشهر الثاني أجرت لنا معلمة الرياضيات أول اختبار تجريبي قبل اختبار الفصل الأول. أصبحت أكثر كرماً في الوقت وعرض الأفكار الجديدة. وها أنا أحرز تقدماً في اختباري القصير الثاني بفضل المراجعات والاعتياد على الأفكار الغريبة في المسائل الرياضية. والآن تمكنّا جميعاً من تشريح قلب الخروف بعدما تمكنت أستاذة الأحياء وأمينة المختبر من تقسيمنا إلى مجموعات ثنائية، ثم جلبت لنا تسعة قلوب كبيرة فأخذت إحدانا تفتح القلب والأخرى تعيّن أجزاءه، فعرفنا حجراته وصماماته. ولأول مرة استوعبت فكرة أنّ سُمك جدار البطين الأيسر أكبر من سُمك الجدار الأيمن. والآن اقتنعت بالسبب الذي كتبناه مراراً في كراسة الواجب وأثناء حل أسئلة الدرس، أخيراً في الاختبار.

غرقت في دوامة لا تنتهي من المشاريع العلمية لكل فصل دراسي. كان عليّ أولاً الانسجام مع عدد لا بأس به من الطالبات لتشكيل مجموعة بحثية، وهذا الأمر الأصعب في المشروع، ثم اختيار الموضوع. فأنا أفكر في الأغرب والأكثر حيرة، بينما لا أضمن انحياز عضوات المجموعة إلى الموضوع الأسهل أو التي تكون أدواته ومراجعه متوفرة أكثر.

وقارب الشهر الثاني من الفصل على الانقضاء، فوجدت نفسي أمثل مدرستي في مسابقة أولمبياد الفيزياء على مستوى المنطقة (وأولمبياد تعني: مسابقة دولية تعقد كل عام لطلبة الصف الحادي عشر في المدارس لكل مادة على حدة وتجرى التصفيات على مدار العام لتتم بعدها الاختبارات النهائية بين طلاب من مختلف دول العالم). لم أكن راغبة في ذلك، فالتزامات الدراسة تثقل كاهلي ولا أجد وقتًا لأنهيها كلها، لكن ترشيح المعلمة ومديرة المدرسة وموجّه الفيزياء وإصرارهم جعلاني أرضخ.

ما زلت في حيرة من أمري بشأن مشروع مادة الفيزياء الذي يستحق ثلاثين بالمئة من درجة المادة الكلية، وعليّ أن أجد الموضوع المناسب والمجموعة التي أنسجم معها لنبادر بالجزء المخصص للفصل الأول من العام. جاء ذلك اليوم الموعود الذي حدثتني فيه شيخة عن الفيلم الذي شاهدته في الطائرة وهي عائدة من لندن بعد العطلة الصيفية.

سألتُ شيخة: "أحقاً ما تقولين يا شيخة؟ لا لا، لا أصدق هذا؛ كيف يمكن لشخص أن يضيء المصابيح دون توصيلها بسلك كهربائي وبمجرد غرسها في التراب؟"

فردّت شيخة مبتسمة: "أنتِ حرة، لا تصدقي، لكنني أعذرك؛ فقد كنت مثلك، كنت أريد التحقق مما شاهدت بأسرع وقت." بقيت أنتظر على أحر من الجمر حتى هبطت الطائرة وتمكنت من استخدام خدمة الإنترنت في جوالي، وأنا في الطريق إلى المنزل قرأت الكثير عن نيكولا تسلا.

فسألتها مجددًا: "طيب عزيزتي، فلنسلم بأن لتسلا الفضل الحقيقي في ابتكار فكرة التيار الكهربائي المتناوب، لكن لماذا ينسبه (أديسون) إلى نفسه؟"

فأجابتني شيخة: "حب الظهور يا علياء والأضواء، ولا تنسي المال الذي كان يجنيه من شركة الكهرباء التي أسسها في الولايات المتحدة الأمريكية والتي كانت توزع التيار الكهربائي في مطلع القرن العشرين على معظم أنحاء الولايات المتحدة. هـذا علاوة على ابتكاره في الأصل لفكرة التيار الكهربائي المستمر، لكنه الأقل جدوى وفاعلية، لذلك تم استبداله بالتيار الكهربائي المتناوب."

وعندها سألتُها: "كيف لشخص مصاب بالوسواس القهري وقد عزل نفسه عن المجتمع في أواخر حياته، أن يفكر بطريقة غير عادية ويخترع كل هذه الاختراعات؟"

انتهى حوارنا في الرابع من نوفمبر. وفي اليوم نفسه وُلِد شغفٌ جديد من نوعه بعلوم الطاقة والموجات الكهرومغناطيسية، فقررت أنا وشيخة ورهف أن يكون مشروعنا في مادة الفيزياء عن المجال الكهرومغناطيسي واستخداماته.

استمررت عاكفة على قراءة كل ما يقع في يدي عن هذا العالِم، وعما قدمه. وبالتوازي مع قراءاتي عن العالِم الأعجوبة، أخذت أمارس تجارب عشوائية لأتمكن من مشاهدة أثر المجال الكهرومغناطيسي في الكائنات الحية.

ومع قدوم يوم الجمعة جمعت في بيت جدتي عددًا لا بأس به من نوعين من النمل، أحدهما الصغير المسالم والآخر الكبير "السمسوم" (والسمسوم يعني: اسم محلي لنوع من النمل الكبير الحجم الذي تسبب قرصاته الألم والحكة)، من قرصاته التي ظلت تؤلمني وتسبب لي الحكة على مدى الأسبوع. وضعت النمل في علب بلاستيكية محكمة الإغلاق مع بعض قطع السكر وكنت أعرضها على جوالي قريبًا من موضع الهوائي، فلاحظت تغيرًا في مساراتها كلما وصلتني مكالمة أو رسالة.

دهشت لما كنت أشاهده، كانت النملات تتحرك في كل الاتجاهات لتحصل على منفذ فتخرج من العلبة، لكن دون جدوى، وبقيت تحاول إلى أن وضعتها بجانب الجوال، فبدأت تتجه في مسارات محدودة حتى توقفت تقريبًا بعد مدة من الزمن، وكنت أريحها على فترات كلما مللت.

إنه موسم البطاطا الحلوة، فقد خرجت جدتي لتجمع بعضها وتجهزها للشواء على موقد الفحم في فناء المنزل. شاهدت جدتي ما أقوم به فانزعجت وسألتني: "علاية" (وعلاية تعني: تصغير لاسم علياء جرت العادة على استخدامه محليًا). "ماذا تفعلين هنا؟ ما هذا النمل؟ هل جننتِ؟"

فأجبتها بمنتهى الجدية: "سأصنع لكم حساء النمل، إنه مفيد وخاصة في الأجواء الباردة."

جدتي متمتمة: "لقد أصيبت ابنتي بالخبَل."

فأجبتها ضاحكة: "هههههه صدقيني يا جدتي النمل غني بالفيتامينات ولذيذٌ جداً، سأربيه حتى يكبر ويسمن ثم أعد لكم منه حساء مع الخضراوات في الزيارة القادمة."

الفصل التاسع - الطائرة وما بعدها

كم يبدو لي العالم مختلفًا عما كنت أعرفه قبل أربعة عشر عامًا. لقد تعلمت في هذه الشهور القليلة ما لم أتعلمه طوال حياتي الماضية. خطر ببالي فيصل وأنا أحلّق على ارتفاع شاهق.

تُرى هل أخطر بباله لو كان في نفس مكاني خلال سفره! هل لا يزال يذكرني؟

هل لا يزال يراجع محادثاتنا كما أفعل أنا الآن؟

أخذت أنظر من النافذة وأرى الغيوم وقد تشكل بعضها بأشكال مألوفة، هذه كالقطة وتلك تشبه حافلة المدرسة، يا إلهي وهذا وجه فيصل، نعم إنه وجهه لقد ارتسم بالضبط هناك على تلك الغيوم، والتقطت صورة لها، سأريه إياها يوماً.

يا لها من آلات عجيبة تحلق بنا وتجعلنا فوق الغيوم. كيف ستكون حياتنا لو لم يتوصل علماء الرياضيات لحساباتهم الجبرية في المثلثات؟ كيف سيمكننا تحديد اتجاه الطيران؟ وهل ستصيب الطائرات الحربية أهدافها بدقة؟ كيف سيكون عالمنا لو غفل أرخميدس عن حجم الماء المزاح بفعل جسم مغمور فيه؟ كيف كان للعالم أن ينقل بضائعه التي تزن آلاف الأطنان على ظهر الماء؟ يُفني العالِم حياته في سبيل هدف أسمى يكرّس ذاته له. وتضحّي عالِمة بحياتها الخاصة لأجل التوصل للعنصر المشع الأكثر فائدة للبشرية. فتفوز بجائزة نوبل مرّتين! مرة في اختصاص الفيزياء ومرة أخرى في اختصاص الكيمياء! ويكون اكتشافها فتحًا بتصنيع جهاز أشعة إكس الذي أنقذ حياة آلاف الجرحى في الحرب العالمية الأولى. ويواصل عالِم آخر أبحاثه بلا كلل أو ملل لعدة عقود حتى يتوصّل إلى فصل الدم البشري إلى مكوناته الأساسية وينقذ أرواح جرحى الحرب العالمية الثانية من الموت.

كم في الحياة من أمورٍ عظام تستحق أن نعيشها ونعيش لأجلها، ما أبهى العالم لو اتّشح بالسلام وكرّس جهوده لخيرِ البشرية. ماذا لو اعترفتِ الدول المعتدِية بخطئِها واقترحت حلاً سلمياً يرأب الصدع ويوقف نزف الجراح.

وأنا على هذا الارتفاع الشاهِق في الطائرة أجد العالم صغيراً جداً، والأشياء تتضاءل في حجمها حتى تتلاشى كلما ارتفعنا. لقد جلبتني المصادفة لهذه الرحلة منذ أن رَشّحت لمسابقة أولمبياد الفيزياء، ولكنّني وصلت للتصفيات النهائية بتخطيطي وجهودي، والتدريب الاحترافي الذي حظيت به.

وأنا في طريقي إلى كوريا لأداء الاختبارات النهائية على مستوى العالم، من هذه النقطة على بُعدَي الزمان والمكان رأيت علياء أخرى تشبهني جداً، لكنها أكبر مني سناً، وتقف على منصّة مهابة في محفل دولي وقد اشرأبت نحوها الأعناق. إنّها تمد يديها نحوي وتمسك كفي بقوة وتقول لي: ردّدي ما سأقول: أعاهد نفسي على أن ألِج بُعداً جديداً في حياتي يُكَثّف فيها القيمة والمعنى، والسفَر إلى بوابات المستقبل عبر العلم، لجعل هذا الكوكب المكان الأمثل لازدهار البشرية.

غفوت بعدها ما يقارب الساعتين، لأستيقظ على صوت المضيفة وهي تربت على كتفي لتوقظني لوجبة الطعام. ظللت أفكّر فيما رأيت، وغمرتني مشاعر محبة فائقة كُدت على إثرها أن أقبَّل الكراسي والمضيفات وكل ما حولي.

وصلنا بعد ساعات طويلة قضيتها في مشاهدة الأفلام الوثائقية تارة والاستماع للموسيقى تارة والتحاور مع مشرفة الرحلات العلمية تارة أخرى، التي كانت تجلس بجانبي طوال الرحلة.

اطّلعت على جدول أعمال الرحلة، الذي سيكون في معظمه اختبارات نظرية وعملية في مادة الفيزياء، يتخللها اجتماعات بالوفود الأخرى للتعارف وعرض التجارب التدريبية.

انقضى اليوم الأول في إجراءات الدخول إلى الفندق وتوزيعنا على الغرف واستعراض لبرنامج الرحلة ثم وجبة العشاء وذهبت بعدها للنوم في غرفتي التي تشاركني فيها زميلة مشاركة في (أولمبياد) الرياضيات. هذه المرة الأولى التي أنام فيها بهذا العمق لمدة اثنتي عشرة ساعة متواصلة من الثامنة مساءً إلى الثامنة صباح اليوم التالي. بدأتُ اليوم الأول في مركز الأبحاث والتكنولوجيا الوطني، حيث كان تجمع الطلاب من جميع أنحاء العالم لأداء اختباراتهم بحضور خبراء التقنية والفيزياء من شركة سامسونج العملاقة للهواتف والحواسيب والتكنولوجيا. اجتزتُ اليوم الأول بنجاح باهر ومضى اليوم بسرعة برقة الماس عندما يسقط عليه ضوءٌ باهر عابر. وأشادت بي المشرفة والمترجمة التي نقلت لي إعجاب المحكّمين الدوليين في المرحلة الأولى للاختبارات. لقد فوجئت بما أنطوى عليه من قدرات رياضية وعرفت أن الله سخر لي هذه الفرصة ليعلمني ما لا أعلمه عن إمكاناتي.

بدأ اليوم الثاني مختلفاً حيث صحبتنا المشرفة في زيارة لمصنع الحلوى التقليدية في المدينة، حيث قدموا لنا هدايا من العلب التذكارية الخشبية تحتوي قطعاً من الحلوى المصنوعة من الأرز وعسل قصب السّكر، وقد كتبوا على العلب أسماءنا باللغة الكورية. عدنا قبيل الغداء لنستعد للمرحلة الثانية من الاختبارات عصراً. تغدينا وجلست في بهو الفندق أراجع عدداً من القوانين العامة في الفيزياء التي قد ترد في الاختبار. كان بجانبي فتى أشقر يشبه إلى حد كبير مغنّي البوب (جاستن بيبر) يقرأ في كتاب يبدو باللغة الإنجليزية، لاحظ فضولي وأنا أحاول قراءة الصفحة التي تقابلني، فبادر بالتحية بالإنجليزية، لكن لكنته لا تنم عن أصل إنجليزي.

هو: مرحباً.

أنا: مرحباً.

هو: هل يهمك موضوع الكتاب؟ هل توّدين الاطلاع عليه؟

أنا: (بارتباك) عذراً إن كنت قد أزعجتك--- هل هو باللغة الإنجليزية؟

هو: نعم، يحتوي على تدريبات مع حلها في حركة المقذوفات.

أنا: (باستغراب) هل أنت معنا في الأولمبياد؟

هو: نعم، أنا أمثل فرنسا، اسمي فليب.

أنا: وأنا علياء وأمثل الإمارات العربية المتحدة عن مادة الفيزياء أيضاً.

هو: هذا حسنٌ جداً، بإمكانك تصفّح الكتاب ريثما أحضر حقيبتي من الغرفة.

أنا: شكراً لك، سألقي نظرة سريعة.

عاد (فيليب) بعد بعض الوقت ومعه فتاة آسيوية، حينها كنت قد فرغت من تصوير عدد من التدريبات ذات الأفكار الجديدة، ثم أعدت له الكتاب فقدم لي صديقة العلم الجديدة (هْيو-ها) طالبة فيتنامية قدمت إلى هنا للسبب ذاته الذي جمعنا كلنا، وأخبرتني بأنها قد أنشأت مجموعة على (الواتساب) لطلبة الفيزياء الموجودين في سيول، فطلبت إضافتي إلى المجموعة وأعطيتها رقم جوّالي، ففعلت.

حان وقت ركوب الحافلة التي ستقلّنا لمركز الأبحاث والتكنولوجيا الوطني، فبدأت أجمع أوراقي وأدواتي وأضعها في الحقيبة لأركب الحافلة وقد تقدمني (فيليب) وأخذ يعرّفني إلى طلبة الفيزياء من جميع أنحاء العالم، وابتسامته لا تفارق محيّاه. لقد استطاع في غضون يوم ونصف اليوم تعرف أغلب الطلبة، إنّه ينتقل بمرح ونشاط بين الكراسي ويوزّع حلوى (الماكرون) الفرنسية على الجميع.

تشكل اختبارات اليوم الجزء العملي الذي يعتمد على التجريب، وقد تم تقسيمنا إلى مجموعات لأدائها. ستستغرق الاختبارات عدة ساعات يتخللها وجبات خفيفة واستراحات بالتناوب بين أعضاء كل مجموعة.

كانت هذه المرة الأولى التي أجري فيها تجربة عملية في الفيزياء، لم تكن معلمة الفيزياء تسمح لنا بلمس الأجهزة أو الاقتراب لأخذ قراءات مباشرة من الأجهزة. كانت تخشى على الأجهزة من الهواء فكانت تغلق التكييف والباب والنوافذ عند إجراء التجارب، وفي المرات القليلة التي سُمح لي بأخذ القراءات كانت التجربة تجريها المعلمة أو مشرفة المختبر، أظن أنهما كانتا على حق، فلدينا تعليمات عند إجراء التجارب أن نراعي عدم تعرض الأجهزة لتيارات الهواء أو الصوت العالي لأنها قد تؤثر في دقة قراءات الأجهزة.

أكثر ما يبهرني في الفيزياء الدقة، فكلما كنا دقيقين في التحري والتجريب جاءت النتائج مضبوطة وباهرة.

مرت الأيام الأربعة المخصصة للاختبارات سريعاً، وحان يوم إعلان النتائج النهائية، كان القلق يساورني بشدة منذ ليلة البارحة فأتجاهله. لم أتمكّن من النوم إلا ساعتين، لقد ضجّت ليلة البارحة بالأحلام الغريبة. ما زال القلق يسيطر عليّ فأتجاوز بعضه بالحديث مع أصدقاء الفيزياء. ها هو فيليب، فلأتدرب معه على الفرنسية.

فيليب: بونجوغ.

أنا: بونجور.

فيليب: نو (بون جوغ) يلفظها مقطّعة ويصر على نطقي للراء غيناً كما يفعل الباريسيون.

حان موعد ركوبنا الحافلة التي ستقلّنا، وتسارعت دقات قلبي حتى كادت تتوازى مع سرعتها.

وصلنا فوجدنا بعض الوفود قد سبقتنا إلى القاعة، وقد حُددت مقاعد تحمل لوحات تخص كل دولة.

أخذت مكاني في المقاعد وبجانبي المشرفة، والزميلة التي أدت اختبارات الرياضيات.

بدأت فعاليات الحفل بكلمات لرئيس لجنة الاختبارات الدولية، ثم تكلم المشرفون الكوريون، وبعدها بدأ إعلان النتائج الذي توالى بشكل متناوب مع موجات التصفيق، لا أدري من فاز بماذا، لم تكن تعنيني غير نتيجة الفيزياء. فقد كان دماغي يصور جميع السيناريوهات المتوقعة في نفس الحين. كنت أرى نفسي على المنصة أستلم شهادة الفوز بالمركز الأول، وفي الوقت نفسه أراني مخذولة بين زميلاتي في المدرسة وهن يتهكّمن بي وب(تسلا) و (آينشتاين) لعودتي بعد فشلي في تحقيق أي نجاح.

لقد بذلت قصارى جهدي، ولو كان في وسعي الاطلاع على المناهج الجامعية واستذكارها لفعلت. هل يمكنني أن أتفوق على الفيتنامية أو الفرنسي اللّذين ما فتئا يتدربان على تدريبات من كتب جامعية بمستوى خريجي السنة الأخيرة؟ وإذا بي أسمع: مادة الفيزياء، يا إلهي، شعرت بالصقيع يجتاح بدني كله من شدة الخوف، وإذا بالصوت يكمل: المركز الأول المملكة المتحدة، المركز الثاني الإمارات العربية المتحدة. ماذا؟ هل قال الإمارات العربية المتحدة! أم الولايات الأمريكية المتحدة! كلّا لم أسمع كلمة أمريكية، بل سمعت كلمة عربية.

أهذه أنا؟ هل يعنونني أنا ممثلة دولة الإمارات العربية المتحدة عن مادة الفيزياء؟ ياه، أنا فزت بالمركز الثاني من بين جميع المترشحين من مختلف بقاع العالم؟ كدت أغرق في الدهشة الصادمة، حتى احتضنتني مشرفتي وزميلتي وهن يدفعنني نحو المنصّة لتسلم الشهادة. على قدر ثقتي باجتهادي وأملي فيما سأحققه، إلّا أنني لم أكن واثقة من النتيجة، وجمدت الكلمات في فمي، وتماوجت قطرة الدمع التي تبدو كبحر يحجب عني الطريق إلى المنصّة. لما أحست المشرفة بتجمد ساقيّ اصطحبتني إلى المنصّة وهي تمسك بيدي وتهمس في إذني: كَفُو يا علياء والله كَفُو، حينها فقط تأّكّدت من أنني فعلاً أنا التي مثّلت الدّولة وفزت بهذا المركز، انتابتني حسرة لوهلة على عدم إحراز المركز الأول، ولكن سرعان ما تبددت، وحلت محلها فرحة عارمة، وثقة أوشكت معها أن أشعر بأني ملكة متوّجة على عرش من ذهب.

الفصل العاشر - رسالة هارفارد

في اليوم السادس كانت الجولة السياحية الأخيرة في العاصمة حيث دخلنا أحد مراكز التسوق الضخمة، فحرصت على اقتناء ما يمثل هوية البلد ويمثل الصناعة المحلية. كانت معظم المتاجر تبيع الملابس المحلية الصنع والإكسسوارات وأدوات التجميل والزينة، والتحف التذكارية والأثاث والمنمنمات الخشبية. إنهم ينتجون كل ما يحتاجونه، من الطعام واللباس والأثاث ولعب الأطفال إلى الأجهزة الكهربائية والحواسيب والهواتف الذكية.

استوقفني محل خافت الإضاءة، أكاد لا أرى شيئاً غير المصابيح وقد اصطف عند المدخل أشخاص أوروبيون، مما أثار فضولي، فسألت أحدهم:

أنا: مرحباً، ماذا يبيع هذا المحل؟

السائح: مرحباً، إنه يصنع لوحات من ورق تقليدي ويكتب عليها ما تريدين حسب الطلب.

أنا: حسناً، وما الجديد في الموضوع؟

السائح: إنها أوراق يدوية الصنع من ألياف نبتة الأرز، وحبر الكتابة مستخرج من حيوان الحبار البحري.

أنا: حقاً! هذا غريب.

إنّ هذا سيعجب أمي، فهي تحب اللوحات والآيات القرآنية المكتوبة يدوياً. وقفت في الصف أنتظر دوري وأستمع لشرح إحدى العاملات التي تنظم تسجيل الطلبات خارج المحل، إنه اعتقاد قديم ببركة هذه الأوراق لأنها من ألياف الأرز الذي أنعم الله به عليهم وشكل مصدر رزق وكان غذاءً رئيسياً للكوريين منذ آلاف السنين.

وحبر الحبّار ذو مكانة مقدسة لديهم؛ فهو بشارة الحظ الوافر، لأنهم يستخدمونه طُعماً للأسماك حين صيدها.

جاء دوري فاخترت ورقة بيضاء متوسطة الحجم وطلبت من الخطاط أن يكتب عليها اسم والدي ووالدتي (راشد وفاطمة) باللغة الكورية. ثم انتظرتها حتى تجف واخترت لها إطاراً من خشب شجرة الكرز الزهري.

عند العودة إلى الفندق قدم لنا موظف الاستقبال مغلَّفاً كُتِبَ عليه اسمي باللغة الإنجليزية. أخذت المشرفة الظرف وصعدنا للغرف استعداداً لوجبة العشاء وتجهيز حقائبنا للعودة إلى الإمارات في اليوم التالي.

اسمي على المغلف وباللغة الإنجليزية! ماذا تراه يكون هذا المغلف؟ هل سيمنحونني مكافأة مالية على إحرازي المركز الثاني؟ لكن المغلف يبدو مسطحاً جدًا! آه، قد يكون صكاً وليس نقدًا. سأنفق المبلغ على السفر إلى فيتنام أو فرنسا الصيف القادم. لكن ماذا لو لم يكف المبلغ؟ آه، إن المغلف مسطح، فقد تكون المكافأة بضعة مئاتٍ من الدولارات فقط.

يا ويلي، ما الذي يجعلني واثقة من أنها مكافأة مالية؟! ماذا لو كانت رسالة اعتذار عن خطئهم في تقدير الدرجات وإبلاغي بأنني لست صاحبة المركز الثاني! لا لا، إنه كابوس، الأكيد أنه كابوس، هل أسأل المشرفة وأطلب منها فتح المغلف؟ يا إلهي ما هذا!

هل يلاحقني سوء الحظ إلى هنا؟ ألا يكفي يومُ الإذاعة المدرسية!

صاحت المشرفة: علياء ماذا دهاكِ؟ هيّا اصعدي معنا إلى الغرفة، سيتعطّل المصعد وأنت تعيقين إغلاق الباب.

نزلنا إلى الغداء واطمأننت بعض الشيء لأنني لم ألحظ أي امتعاضٍ أو ضيق على وجه المشرفة، لكن الفضول كان أقوى مني.

أنا: أستاذة هل فتحتِ المغلّف؟

المشرفة: لا، لقد كُتبت عليه ملاحظة: موجّه إلى شؤون الطلبة في وزارة التربية والتعليم.

أنا: لقد كان اسمي عليه، أليس كذلك؟

المشرفة: بلى، لكنني لن أتمكن من فتحه، عليّ أن أسلمه للجهة المذكورة.

أنا وقد بدت عليّ الحيرة: لماذا يضعون اسمي على المغلّف إذاً؟

المشرفة: لا تقلقي، لعلها تعليمات إدارية تمهيداً لاستلام وثيقة الفوز الرسمية، والمكافأة المخصصة للمركز الثاني.

أضفت عليَّ الإجابة مزيداً من الطمأنينة، ولكنني تابعت أسئلتي: من هي الجهة المرسلة؟

المشرفة: آه لم أنتبه يا علياء.

أنا: من فضلك أستاذة، أخبريني عندما نصعد إلى الغرفة.

وبدأت بالتقاط الأطعمة من (البوفيه)، ما هذا؟ سوشي نباتي؟ لقد اعتدنا أن نجرب أطعمة عالمية في الإمارات. وقد مررنا على المطبخ الآسيوي، الياباني والتايلندي تحديداً، لكنني لم أعلم أن السوشي يمكن أن يكون نباتياً بلا المأكولات البحرية. جلسنا إلى الطاولة وبدأت بتذوّق (السوشي) وصلصة الصويا اللاذعة اللذيذة. أخذت بالتقاط الصور ووضعها في حساب (سناب شات) الخاص بي وكتبت عليها: ألذ سوشي احتفالاً بالمركز الثاني على العالم. بدأت تنهال عليّ رسائل التهنئة من صديقاتي وأفراد العائلة، بل وأخذت الاتصالات تنهال على جوالي، لكنني أجّلت كل المكالمات، إلا والدي، ريثما أعود إلى الوطن وآخذ قسطاً من الراحة.

في فجر اليوم الأخير، أقلعت طائرتنا إلى دبي، كنت مستغرقة في مشاهدة الأفلام وقد انتابتني راحة بالغة وكأني أديت جميع مهامّي في الحياة.

يا إلهي، نسيت المغلف! كيف نسيت موضوعه! ذهبت إلى المشرفة لأسألها عنه، فإذا بها مستغرقة في النوم. يا له من حظ! عدتُ خائبة إلى مقعدي وشرعت في محاولات للنوم حتى أصابتني غفوة بصحبة الموسيقى الهادئة.

فتحت جوالي حالما هبطت الطائرة، فأخذت الرسائل تصلني تباعاً، وإثرها كان اتصال والدي للاطمئنان عليّ وليعلمني بأن أخي موجود لاستقبالي في المطار.

هممت بحمل حقيبة يدي وإذا باتصال من فيصل. ظللت أحدق في الشاشة والتردد يعصف بي، هل أجيبه أم أبقى على عهدي الذي قطعته بأن أعامله بالمثل؟ وانتظرت حتى انتهى الرنين، ثم وضعت الجوال على وضع الصامت. وشعرت بشيء من الزهو والانتصار على النفس. نعم، فقد انقضت أشهر طويلة ولم يفكر بالتواصل أو الاعتذار أو إيجاد سبب مناسب لقطع العلاقة.

استقبلني أخي محمد باحتضان عزز فيّ الشعور بالأمان وكنت لا أزال تحت تأثير مفاجأة فيصل. وحمل حقيبتي وأجلسني إلى جواره في السيارة.

أخذت أعبث بالجوال، وإذا بفيصل يرسل لي رسالة على (الواتساب):

مرحبًا علياء،

أهنئك على إنجازك، لقد أثبت حسن اختيارك عندما التحقت بالقسم العلمي.

أعتذر عن انقطاع طويل بلا إبداء للأسباب.

قد تكونين نسيتني أو ألغيت رقمي. (فيصل)

لقد حركت هذه الرسالة شيئاً في داخلي وأعادت لي بعض ما انتهكه غيابه، وقررت أن أرد عليه في اليوم التالي برسالة مقتضبة. وفي المساء اتصلت مديرة المدرسة بوالدتي لتهنئها ولتطمئن علي. أبلغتها بمنحي عطلة ليومين كي أتمكن من تعديل ساعات نومي وآخذ قسطاً من الراحة بعد عناء السفر والاختبارات.

لأول مرة أتمنى أن تنقضي العطلة سريعاً، ما زلت لا أعلم مصدر المغلّف ولم أتأكد من محتواه، ليت المشرفة أبلغتني بالجهة المرسلة حتى يكف عني هذا الوسواس الخنّاس.

في اليوم التالي، فوجئت عند وصولي للمدرسة بحفاوة استثنائية. صُنِعَتْ لافتةٌ ضخمةٌ من القماش تحمل اسمي واسم المدرسة، وكُتِبَ عليها "(المركز الثاني في أولمبياد الفيزياء الدولي)"، اتّسم بها الجدار الأمامي للمدرسة. وفي الطابور، خُصّصَتْ الإذاعة المدرسية للاحتفال بهذا الإنجاز وتكريمي وتكريم معلمة الفيزياء التي أشرفت على تدريبي.

اشرأبت أعناق الطالبات، وتوجّهن من الجهات الأربع ليرمقنني بنظرات الإعجاب والفخر، ويبدو في أعين بعضهن. صافحتني المديرة تحت سارية العلم وفتحت ظرفًا. إنه الظرف الذي استلمته المشرفة في الفندق. أخرجت منه ورقة باللغة الإنجليزية ودعت معلمة اللغة الإنجليزية لتقرأها. جاء فيها:

"(نحن ممثلو جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية، نتوجه لك بالتهنئة على هذا الفوز. قد اعتدنا الحضور في التصفيات النهائية للأولمبياد لدعم الكفاءات الواعدة مثلك وتنميتها. ويسرنا تقديم منحة دراسية لك في الجامعة لدراسة تخصص علوم الفيزياء والطاقة الشمسية حال تخرجك من الصف الثاني عشر، وفقًا لشروط الجامعة وأحكامها). نسخة للطالب – نسخة لوزارة التربية والتعليم."

وبدأ حلم آخر...

0:00 0:00